روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
128
عرائس البيان في حقائق القرآن
أن أمر العباد في العبودية يكون بمشيئته وإرادته لا لغيره مدخل في تدبير العباد بقوله : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ، ينزل الوحي إلى حبيبه صلى اللّه عليه وسلم بواسطة أخيه جبريل عليه السّلام لنظام الشريعة وانتظام الحقيقة والطريقة لا لطبع البشر ومقالة أهل البدع ، فيه أثر والإشارة فيه أن تدبير العباد عند تدبيره لا أثر له إذا أراه العباد في قضائه وقدره منفسخة ؛ إذ تدبيره إرادته وإرادته مشيئته المقرونتان بالعلم الأزلي الذي لا يشوبه علل الحدثان . قال سهل : طوبى لمن رزق الرضا بتدبير اللّه له ، وأسقط عنه سوء تدبيره ، ورده إلى حال الرضا بالقضاء والاستقامة في جريان المقدور عليه أولئك من المقربين . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 7 إلى 12 ] الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 9 ) وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ( 10 ) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 11 ) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) قوله تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ : أوجد الأشياء بأمره ، وألبسها نور أمره ، وأحسن خلقها بحسن فعله ، لا يدخل نقص القبح في أفعاله ؛ لأنه أحكمها وركبها ودبرها بعلمه الأزلي وجلاله الأبدي ، ولا يرجع إليه علة فالقبيح قبيح من جهة الامتحان ، وحسن من حيث صدر من أمر الرحمن ، ذكر الحسن في جميع الأشياء ، ولم يذكر ههنا في الإنسان ، ثم قال : وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ، وهو معدن الخصوصية المستعدة لمباشرة صفته بقوله : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] ، ثم ذكر تسويته بكمال الصفة بقوله : ثُمَّ سَوَّاهُ : سوّاه بتجلي أنوار جميع صفاته حتى صدرت صورة آدم من الغيب منعوتا بأنوار الصفات ومتصفا بسناها ، ثم ذكر أخصّ الخصائص ، وهو ما سقط من حسن تجلي ذاته في صورته بقوله : وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، حتى يكون مجموعها مشكاة أنوار الذات والصفات ، ويفيض الحسن من آدم إلى العالم ؛ لأنه المعدن الثاني من الحسن ، والمعدن الأول من الحسن حسن الأزل ، فأي حسن يبقى في حسن آدم وذريته ، ذكر حسن الأشياء ، ولم يذكر ههنا حسن غيره ؛ لأنه موضع محبته واختياره الأزلية ، كقول القائل : وكم أبصرت من حسن ولكن * عليك من الورى وقع اختياري قال الواسطي في قوله : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي * أي : روح اخترته على الأرواح ،